التواصل الاجتماعي وبناء المجتمع

 كما شدّد الإسلام على أهمّيّة التّواصل مع الأصحاب والأصدقاء، وعلى حسن العلاقة مع الجيران والأرحام، وعلى برِّ الوالدين، شدّد أيضاً على العلاقات الحسنة مع المحيط الاجتماعي بشكل عامّ. فهذا المحيط له حقّ علينا كما أنّ لنا حقاً عليه. وعلى الإنسان المؤمن أن يهتمّ لأمر مجتمعه لأنّه جزء منه. فهو مع باقي أفراد المجتمع عبارة عن جسم واحد، وأيّ خلل يقع على المجتمع سيشتكي منه باقي أفراد الأمّة. ولذلك نجد توصيات كثيرة في القرآن الكريم وفي كلمات العترة الطّاهرة حول هذا الموضوع. يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾.

فالإصلاح والتزام التّقوى من أهمّ العوامل التي تقوّي أواصر المجتمع الإسلاميّ وتبقيه متماسكاً. ويقول تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ ، فاتّحاد واعتصام المجتمع المسلم بمبدأ واحد من أهمّ أسباب المنعة والقوّة.

ويقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من أصبح لا يهتمّ بأمور المسلمين فليس منهم، ومن سمع رجلاً ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم".

ويقول أيضاً: "الخلق عيال الله فأحبّ الخلق إلى الله من نفع عيال الله وأدخل على أهل بيت سروراً".

مبادئ في التـّواصل

قدّم الإسلام منهجاً حياتيّاً متكاملاً لمن أراد إقامة رابطة متينة وسليمة مع محيطه الاجتماعيّ. هذا المنهج يندرج تحت قاعدة عامّة مفادها: "كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته". وأوّل بنود هذا المنهج: التّقوى. فالتّقوى مصدر كلّ خير وصلاح. وهي درع يقي كلّ مجتمع من التفرّق والتفسّخ والضّعف.

أمّا باقي البنود فهي على الشّكل التّالي

1ـ التّعاون مع الآخرين ومساعدتهم: عملاً بقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.

2ـ الإحسان إليهم بما أمكن: عملاً بقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾.

3ـ النّصرة: يقول تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ...﴾.

4ـ أداء الأمانة: يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾.

5ـ المساعدة والبذل للمحتاجين: يقول تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُوم﴾.

6ـ عدم الاعتداء على حقوق الآخرين: يقول تعالى: ﴿وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ﴾.

7 ـ عدم بخس النّاس حقوقهم: يقول تعالى: ﴿وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ ﴾.

8ـ عدم السّخرية منهم: يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾.

وورد عن الإمام زين العابدين: "وأما حقّ أهل ملّتك عامّة: فإضمار السّلامة، ونشر جناح الرّحمة، والرفق بمسيئهم، وتألّفهم، واستصلاحهم، وشكر محسنهم إلى نفسه وإليك، فإنّ إحسانه إلى نفسه إحسانه إليك إذا كفّ عنك أذاه وكفاك مؤونته، وحبس عنك نفسه، فعمّهم جميعاً بدعوتك، وانصرهم جميعاً بنصرتك، وأنزلهم جميعاً منك منازلهم، كبيرهم بمنزلة الوالد، وصغيرهم بمنزلة الولد، وأوسطهم بمنزلة الأخ، فمن أتاك تعاهدته بلطف ورحمة، وصل أخاك بما يجب للأخ على أخيه".

عوائق أمام التـّواصل

يُعتبر سوء الخلق باباً لكلّ شرّ في أيّ محيط اجتماعيّ. فهو يفسد العلاقة بين الإخوة، ويشحن الصّدور، ويحجب رحمة الله؛ لأنّ الله عزّ وجلّ توعّد سيّئي الخلق بالعذاب. ومن أبرز مظاهر سوء الخلق اللّسان البذيء، ويلحق به المعاملة السيّئة، وسوء الظنّ بالنّاس والتّسرّع في الحكم عليهم والتعرّض لأعراضهم.

ويعتبر الكذب أيضاً من أهمّ العوامل التي تشيع الفرقة بين النّاس في المجتمع الواحد، حيث تنعدم الثقة بينهم، ويلحق بالكذب الخلف بالوعد، والغيبة والبهتان، وإشاعة الفاحشة..