مشاريع توطين اللاجئين الفلسطينيين


تعددت مشاريع توطين اللاجئين الفلسطينيين في دول العالم، وصدرت عدة قرارات بهذا الشأن منها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 الصادر بتاريخ 11 كانون أول 1948، حيث أعطى اللاجئين حرية الاختيار في ثلاث خيارات رئيسية لتوطينهم، وهذه الخيارات تتضمن البنود التالية:

1- العودة إلى الديار التي هجروا منها.

2- البقاء في الدول المضيفة التي يعيشون فيها.

3- المطالبة بإعادة توطينهم في بلد ثالث.

الكيان الصهيوني وتوطين اللاجئين:

يمكن الإشارة إلى علاقة إسرائيل كدولة محتلة بموضوع اللاجئين من خلال ثلاث محاور رئيسية وهي:

1- الترحيل

2- منع العودة

3- إعادة التوطين خارج الديار الأصلية

وبالتالي فإن إعادة التوطين نتيجة حتمية، ولكن متأخرة للمحورين الأولين، كما تقدم إسرائيل "التوطين" كحل وحيد لقضية اللاجئين الفلسطينيين.

مشاريع التوطين في الخارج

شهد عقد الخمسينات، مشروعين صهيونيين حكوميين لتوطين الفلسطينيين الأول ويسمى "عملية يوحنان" (1950-1953) والثاني، ويسمى "العملية الليبية" (1953-1958). وقد هدف مشروع "عملية يوحنان" إلى ترحيل الفلسطينيين من الجليل إلى الأرجنتين. حيث كتب يوسف فايتس، في حزيران 1951 إلى يعكوف تسور، سفير إسرائيل في الأرجنتين: إن الغرض الأساسي لهذا الأمر ( عملية يوحنان) هو ترحيل السكان العرب من إسرائيل، وقد انتهت فكرة يوحنان بعد أن أبدي الفلسطينيون عدم رغبة في الرحيل، حيث أثبت الترحيل الإرادي فشله.

العملية الثانية: أعدها يوسف فايتس أيضا وتهدف إلى توطين الفلسطينيين في إسرائيل واللاجئين خارجها على الأراضي الليبية، حيث اعتمد في ذلك على قضية الجذب الاقتصادي والترحيل الإرادي، ومن أجل ذلك قامت السلطات الصهيونية بالاتصال بمستعمرين إيطاليين في ليبيا لشراء الأراضي التي كان من المفروض أن تمنح إلى العرب واللاجئين. إلا أن الخطة قد افتضحت بشكل غير متوقع وهو ما أدى إلى فشلها.

مشروع 'ماك جي' 1949

قدم المشروع من قبل "لجنة التوفيق الدولية" عبر الإدارة الأمريكية في آذار 1949، ومؤداها أن تقوم فرنسا، وبريطانيا، والولايات المتحدة بتقديم المساعدات الكفيلة بإنشاء مشاريع تنموية، تعمل على احتواء اللاجئين، وتوطينهم كل حيث هم مع الاكتفاء بإعادة مئة ألف منهم إلى فلسطين، واشترطت إسرائيل للقبول بإعادتهم اعتراف الدول العربية بها، مع توطينهم حيثما يتفق ومصالح إسرائيل، واعتباراتها الأمنية.

مشروع (كلاب) 1949

قدم المشروع عن طريق لجنة تابعة للجنة التوفيق الدولية الذي ترأسها الأمريكي،( جوردن كلاب ) إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، في تشرين ثاني 1949، حيث أوصت فيه ببرنامج للأشغال العامة (ري، بناء سدود وشق طرق) وحرف للاجئين، وقد وافقت الأمم المتحدة على تقرير اللجنة، وشرعت بتأسيس صندوق لدمج اللاجئين، بكلفة وصلت إلى 49 مليون دولار.

مشروع تامير

قدم أبراهام تامير، الأمين العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية خطته إلى الحكومة حيث وافق عليها كلا الحزبين، العمل والليكود، تقضي هذه الخطة بتوطين 750 ألف فلسطيني في لبنان على أن يرتفع هذا العدد إلى مليون لاحقا، بحيث يتحمل المجتمع الدولي تكاليف توطين وإعادة تأهيل هؤلاء اللاجئين، وقد حمل تأمير هذه الخطة إلى الرئيس الروماني نيكولاي شاوسيسكو، الذي كان يدير حوارا غير مباشر بين الإسرائيليين والفلسطينيين لكن الخطة لم تنجح.

مشروع (سيناء) 1953

يعد مشروع سيناء من أخطر المشاريع التي مرت على الشعب الفلسطيني إذ بدء بإجراءات تنفيذه، بعد أن حظي بموافقة حكومة القطر المضيف( مصر) للاجئين الفلسطينيين.

جرى عقد اتفاق بين الحكومة المصرية والأونروا، منحت فيه الأولى للثانية حق اختيار 230 ألف فدان لإقامة مشاريع عليها، فضلاً عن 50 ألف فدان للتطوير الزراعي. وقدر عدد الذين سيستوعبهم 'مشروع سيناء' بنحو(214 ألف) شخص. وخصص 30 مليار دولار لأغراض أبحاث المشروع وقد أحاطت الحكومة المصرية الأبحاث بالكتمان .

وقد كان رد فعل الشعب الفلسطيني على مشروع سيناء عنيفاً، وجابت غزة من أقصاها إلى أقصاها، وانتقلت الشرارة إلى بقية أرجاء القطاع، وأحرقت مراكز التموين التابعة للأونروا، وأحرقت كل ما وقع بين يديها من سيارات رجال الإدارة المصرية، مما اضطر هؤلاء إلى ترحيل أسرهم من القطاع، وانتقل الحاكم العام للقطاع، اللواء عبد الله رفعت إلى العريش، وسيطر المنتفضون تماماً على القطاع، ثلاثة أيام متصلة، ارتقى فيها نحو ثلاثين فلسطينياً برصاص القوات المصرية.

طلب الحاكم العام لقطاع غزة من المنتفضين تقديم مطالبهم، فجرى ذلك، حيث تضمنت هذه المطالب أولاً: إلغاء مشروع سيناء، ثانياً : تسليح القطاع وتدريب شعبه ونقاط أخرى.

وتم وقف المظاهرات من قبل اللجنة الوطنية العليا إلى أن جاء الرد على المطالب من قبل الرئيس المصري جمال عبد الناصر بقبولها والموافقة عليها، تبع ذلك تكليفه للجنة مشتركة القيام بإجراء فحوصات لموقع 'مشروع سيناء' حيث قدمت تقريرها في حزيران 1955 ، ليرد بعد ذلك بأن مصر ترى تأجيل تنفيذ مشروع سيناء لما بعد بناء السد العالي، حيث يمكن إيصال مياه النيل إلى الموقع.

وبالتالي فإن انتفاضة آذار 1955 قبرت 'مشروع سيناء' ومعه كل المشاريع التي سبقته. وحالت دون صدور مشاريع لاحقة .

مشروع ييغال ألون:

قدم المشروع بعد عام 1967، ويقوم على إنكار مسؤولية إسرائيل عن المشكلة ودورها واتهام البلاد العربية بأنها السبب وراء ديمومة المشكلة، ودعا آلون في مشروعه إلى توطين اللاجئين الفلسطينيين في سيناء سواء قبل المصريون أم لم يقبلوا.

مشروع أبا ايبان:

قدم أبا ايبان مشروعه في خطاب ألقاه أمام الأمم المتحدة عام 1968، وهو يستند إلى خطة خمسية في إطار مؤتمر دولي يضم دول الشرق الأوسط مع الحكومات التي تساهم في إغاثة اللاجئين والحل في رأيه لا يتم في عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وأراضيهم ولكن من خلال توطينهم في أماكن اللجوء التي يعيشون فيها بمساعدة دولية وإقليمية.

مشروع أرئيل شارون:

قدم شارون مشروعه عام 1971، عندما كان قائد القوات العسكرية الصهيونية في قطاع غزة، حيث تضمن المشروع نقل نحو 40 ألف شخص من مخيمات قطاع غزة إلى مكان آخر لتخفيف الازدحام، وقام كإجراء عملي بشق شوارع في المخيمات الرئيسية في قطاع غزة لتسهيل مرور القوات إلى المخيمات، مما أدى إلى هدم الآلاف من المنازل ونقل أصحابها إلى مخيم كندا داخل الأراضي المصرية، وبعد توقيع اتفاقية السلام مع مصر رفضت إسرائيل عودة هؤلاء إلى الأراضي الفلسطينية، كما أفرز جسماً جديداً أضيف إلى أماكن اللجوء الفلسطيني.

توطين الفلسطينيين في العراق

فكرة توطين اللاجئين الفلسطينيين في العراق ليست وليدة اليوم وإنما هي قديمة جداً سبقت قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين.

فمنذ العام 1911 اقترح الداعية الروسي الصهيوني 'جوشواه بو خميل' مشروع ترحيل عرب فلسطين إلى شمال سوريا والعراق، وكان ذلك أمام لجنة فلسطين التابعة للمؤتمر الصهيوني العاشر المنعقد في (بازل)، وقد تحول هذا الأمر إلى مطلب لقادة الحركة الصهيونية من الدول الأوروبية وخاصة بريطانيا أثناء انعقاد مؤتمر الصلح في باريس عام 1919 .

وقد تواصلت المحاولات الصهيونية الهادفة إلى توطين الفلسطينيين في العراق ففي 17 كانون أول 1937 ، ناشد بن غوريون في مذكرة بعث بها إلى اجتماع لجنة العمال الصهيونية المنعقد في بريطانيا البريطانيين الذين كانوا يستعمرون العراق المساعدة على ترحيل الفلسطينيين إلى العراق، وجاء في المذكرة ستعرض على العراق عشرة ملايين جنيه فلسطيني في مقابل إعادة توطين 100 ألف عائلة عربية من فلسطين في العراق. وفي نفس السياق قام الصهاينة بتقديم خطة لترحيل الفلسطينيين إلى العراق إلى ممثل الرئيس الأمريكي'روزفلت' الشخصي الجنرال 'باترك هرلي' حين زار فلسطين سنة 1943، حيث جاء في تقرير الجنرال أن قيادة 'الييشوف' عازمة على إنشاء دولة يهودية تضم فلسطين بأسرها وشرق الأردن، وعلى فرض ترحيل السكان العرب إلى العراق بالقوة .

بريطانيا وتوطين الفلسطينيين في العراق .

جاء في وثائق الخارجية البريطانية أنه في شهر كانون الثاني من عام 1955، أعدت وزارة الخارجية البريطانية تقريراً مفصلاً عن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين ليحمله مدير عام الخارجية في ذلك الوقت 'شكبرج' لدى زيارته لواشنطن لمناقشة هذه المشكلة مع الحكومة الأمريكية، وتضمن التقرير عدداً من مشاريع التوطين وركز بشكل خاص على مشروع التوطين الذي استهدف العراق، وقد أولت الدوائر البريطانية في حينه اهتماماً خاصاً ببحث إمكانيات توطين اللاجئين الفلسطينيين في العراق، وتعاونت في هذا المجال مع السفارة البريطانية في بغداد وقسم التطوير في المكتب البريطاني في الشرق الأوسط في بيروت، ووكالة الغوث (الأونروا) وبقية السفارات البريطانية في المنطقة، وفي ضوء الدراسات والتقارير التي جرى تبادلها بين هذه الأطراف خرجت عدة اقتراحات .

فقد كان متوقعاً في مدى عشرين عاماً أن يوافق العراق على استيعاب نحو مليون لاجئ . وذلك كما جاء في الوثيقة رقم ( F / 37/115625 ).

محاولات جديدة لإعادة مشروع التوطين في العراق.

تفيد الكثير من المعطيات الواردة عن مساع حثيثة وضغوط كبيرة تمارس من قبل الإدارة الأمريكية للضغط على العراق من اجل قبول توطين آلاف من اللاجئين الفلسطينيين. وقد أكدت الدكتورة (لارا دراك) المحاضرة في الجامعة الأمريكية في واشنطن أن ضغوط مورست على نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين منذ عام 1993، كان أخرها وساطة مغربية فرنسية إلا أن العراق رفضها.

ولكن زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني العراقي جلال طالباني لم يستبعد هذه الفكرة موضحاً إنها طرحت منذ سنوات، عندما اقترحت الإدارة الأمريكية أول مرة لتطبيقها في منطقة كردستان العراقية. ولكنها عدلت عن هذا الرأي بعد أن واجهت احتجاجاً من الأكراد الذين يخشون تغيير ديموغرافية المنطقة، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل اقترحتا بعد ذلك منطقة الوسط العراقية وأشادت عضو الوفد الأمريكي السيدة 'بيبنيس' التي نقلت الرسالة بقرار الرئيس العراقي الصادر 1998 الذي يقضي بمنح الفلسطينيين اللاجئين منذ عام 1998 الجنسية العراقية.

لماذا العراق ؟

يشير العديد من الدبلوماسيين الغربيين والإسرائيليين أن العراق هي من 'أفضل' الدول العربية لتوطين اللاجئين الفلسطينيين فيها بشكل دائم ونهائي. ويرجع المحللون ذلك للعديد من الاعتبارات التي من أهمها :-

* مساحة العراق الكبيرة والتي من شانها أن تستوعب أكبر عدد من اللاجئين الفلسطينيين

* بعد العراق عن فلسطين بؤرة الصراع والاحتكاك.

* تمتع العراق بالخيرات والثروات الكبيرة .

* الضغوط والضربات والحصار الاقتصادي الذي يتعرض له العراق سيجعله يقدم تنازلات من أجل قبول توطين اللاجئين مقابل رفع الحصار، كما أن ما جرى خلال السنوات الأخيرة من احتلال أمريكي بريطاني للعراق سيدعم هذا التوجه..

ومما سوف يدعم خيار توطين الفلسطينيين في العراق أيضاً، سقوط خيار التوطين في بعض البلاد الأخرى مثل الأردن، كما أن هناك دولاً مثل السعودية والكويت ترفض استيعاب اللاجئين لأسباب مختلفة وبذلك يكون العراق أكثر الدول ملائمة لتوطين اللاجئين الفلسطينيين فيه.

وأمام هذه المحاولات اليائسة لحل قضية اللاجئين وبالتالي الإجهاز على القضية الفلسطينية، والقبول بوجود الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، تبقى حالة الرفض الفلسطينية هي الموقف المتجذر رداً على كل مشاريع التوطين، فلا حل للقضية الفلسطينية إلا بعودة كل اللاجئين إلى أرضهم المغتصبة، وزوال هذه الغدة السرطانية عن أرض فلسطين المقدسة من بحرها إلى نهرها.