بيان||إغلاق الباقيات الصالحات ... الإعدام البطيء ينتهي بقرار تعسفي

بيان توضيحي للرأي العام

إغلاق جمعية "الباقيات الصالحات"... الإعدام البطيء ينتهي بقرار تعسفي

الشيخ/هشام سالم "رئيس مجلس الإدارة"

رغم أن الجمعيات الخيرية ساهمت بفعالية كبيرة في تعزيز صمود شعبنا الفلسطيني على امتداد مسيرة جهاده الطويلة ضد الكيان الصهيوني وكان لها دور بارز في التخفيف من آلامه وجراحاته لاسيما عبر مشاريعها الإنسانية والإغاثية التي تستهدف الشرائح الأكثر تضرراً من الحروب الصهيونية أو الشرائح الأشد فقراً نتيجة الحصار الظالم أو الأولى رعاية كالأيتام والأرامل عوائل الشهداء والأسرى، إلا أن هذه الجمعيات كانت عرضة للتضييق من قبل السلطة الحاكمة بفعل سياسات مستبدة لا تنظر للمصلحة العامة كأولوية ولا تراعي البعد الإنساني إلا ما وافق هواها، ولازلنا نتذكر قرار السلطة في رام الله بحل عشرات الجمعيات الخيرية في شهر آب 2007 عقب أحداث الإنقسام والذي جوبه بالاستنكار والتنديد لكونه انعكاس لحالة صراع سياسي لا تقيم وزناً لا لقانون ولا لحريات عامة ولا لمصالح الفئات المحتاجة من الفقراء والأيتام والمتضررين وغيرهم وإن حاول من أصدر هذا القرار في حينه أن يلبسه ثوب القانون.

ما جرى مع جمعية "الباقيات الصالحات"، التي أرأس مجلس إدارتها، جعلنا نقرر الخروج عن صمتنا ونتحدث بصوت عالٍ، خاصة أن الإجراءات التي اتخذت بحقنا تعسفية، إذ امتدت الإجراءات طوال خمسة سنوات مضت، وانتهت بإرسال قرار بـ"حلّ الجمعية"، من دون مسوغات قانونية واضحة، وقد أبلغنا الأخوة في مكتب داخلية شمال غزة بشكل رسمي بالقرار بعد صدوره بثلاثة أشهر!

القرار يفتقد لمجموعة من المعايير القانونية، أهمها السبب الذي يستوجب الحل والإغلاق، ثانيهما هو ضبابية الجهة التي صدر القرار منها، وذلك بسبب حالة الفراغ القانونية في غزة التي نتجت بسبب حالة الانقسام والخلاف حول  حكومة التوافق الوطني التي يعمل ثلاثة من وزرائها في غزة، وكيف يمكن أن يوقع وزير الداخلية على قرار لحل جمعية من دون أن يكون اسمه مكتوباً!

ومن الجيد والمجدي أن نقدم تعريفاً سريعاً لـ"الباقيات الصالحات" عبر نقاط موجزة :

• الجمعية تأسست عام 2004 في غزة وهي مرخصة رسمياً وفق قانون الجمعيات الفلسطيني، أي أنها موجودة وتعمل قبل أن تحكم " حركة حماس" القطاع.

• أهداف الجمعية العمل الخيري و الإغاثي، وقد نفذت الكثير من المشاريع بدعم وبتمويل من جهات عدة في مقدمتها الجمهورية الإسلامية في إيران، وكانت تعمل في عهد السلطة (فتح) من دون أي معوقات.

• استفاد ويستفيد من الجمعية فئات كثيرة داخل المجتمع، من فقراء وعائلات شهداء وذوي البيوت المهدمة والجرحى. كما نفذت في الحرب الأخيرة صيف 2014 عشرات المشاريع بتمويل من لجنة "إمداد الإمام الخميني" لصالح المتضررين من الحرب، عبر توفير إيواء وملابس وسلات غذائية وأغطية، وجرى ذلك بالتنسيق مع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا".

• بعد الحرب مارست الجمعية نشاطها وعملها في مساعدة الناس كتنظيم موائد الإفطار لعائلات الشهداء والأيتام، كما شاركت في مشاريع كثيرة مع وزارتي الصحة والتعليم ومع الكثير من المؤسسات الأهلية والأجنبية.

• نفذت مشاريع تعليمية وصحية ومحو أمية، ولها عدة مقرات لتقديم الخدمة، كما أنشأت ملعباً رياضياً ليستفيد منه سكان منطقة شمال غزة مجاناً.

مؤدّى هذا الكلام أن الجمعية معروفة للعامة وكذلك للحكومة التي شاركنا وزاراتها بعض النشاطات والمشاريع، ولكن يبدو أن هناك من يتقن "رمية الكرة" في ملعب كل طرف أمني أو مسئول، تضييعاً للحقوق وإهداراً للجهود، وهذا ما سيتبين بعد عرض المضايقات التي تعرضنا لها خلال السنوات الخمس الماضية، برغم جهودنا مع كل من وزارة الداخلية في غزة وجهاز الأمن الداخلي ونواب المجلس التشريعي:

• عام 2011 جاءت قوة من الأمن الداخلي التابع لحكومة حماس واقتحمت مقر الجمعية في منطقة شمال غزة وقالوا إنه يوجد قرار بإغلاق الجمعية لكنهم لم يظهروا أي كتاب خطيّ بل قالوا إنه قرار شفهي من الأمن الداخلي، وشمل الإغلاق الملعب الرياضي وملتقى الشهيد فتحي الشقاقي التابع للجمعية.

• أغلقت مقرات "الباقيات الصالحات" كلها باستثناء مقر واحد في منطقة الشجاعية شرق غزة، بصورة غير قانونية، ما دفعنا إلى الجلوس مع مدير الداخلية في شمال القطاع الذي قال حرفياً إنه ليس لديهم أي علم برغم أنهم الجهة المسئولة عن متابعة الترخيص، لكنه قال إنه من الناحية القانونية والإدارية "الباقيات الصالحات" من أكثر الجمعيات التزاماً.

• اضطررنا إلى مراجعة جهاز الأمن الداخلي في الشمال الذي أفاد بأن الحل بيد وزير الداخلية في ذلك الوقت (قبل حكومة التوافق). ولكن مرت سنة حتى تمكنا من مقابلة الوزير السابق الذي وعد بفتح المقرات دون أن ينفذ وعده فعلياً.

• تحدثنا مع شخصيات من المجلس التشريعي بصفتهم ممثلين عن الناس واستنكروا ما حدث، ولكن دون فائدة، وبقينا نتواصل مع وزارة الداخلية عدة مرات، دون نتيجة.

• تعطلت جراء ذلك عشرات المشاريع حتى حدثت الحرب الأخيرة على غزة، وفي ظل الوضع الإنساني المتأزم أصررنا على العمل برغم إغلاق المقرات، ولم نسع إلى الحديث مع الإعلام مراعاة للمصلحة العامة. لكن في أغسطس/آب 2015 عادت قوة من الأجهزة الأمنية وأمن المؤسسات لتدهم مقر الجمعية الوحيد في غزة وتفتشه، ثم صادرت كل الأجهزة والحواسيب داخله وأغلقوا المقر. تواصلنا مع وزارة الداخلية مجددا ووعدوا بحل الموضوع، ولكن المفاجأة أن الداخلية أرجعتنا مجدداً إلى الأمن الداخلي، الذي لم يكتف بذلك، بل بادر إلى الاتصال بصاحب الأرض المستأجرة لملعب الشهداء وطلبت منه فسخ عقد الإيجار مع "الباقيات الصالحات".

• جرى تنفيذ بعض المشاريع بالتعاون مع "لجنة إمداد الإمام الخميني" وتحديداً مشروع حفل إفطار لعائلات الشهداء في رمضان، فجلس معنا شخصيات أمنية وقالوا لنا إن وضعكم شعار "لجنة إمداد الإمام الخميني" يسبب إحراجاً لنا وطلبوا منا عدم وضع الشعار أو اسم اللجنة، فوافقنا على ذلك، على أن نكتب أن المشاريع بدعم من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فقبلوا ذلك، على اعتبار أنه في إطار الحوار من أجل فتح الجمعية ومقراتها وعودتها للعمل في خدمة الناس.

بعد كل ما سبق، يأتي كتاب بحل الجمعية ومصادرة ممتلكاتها وتصفية أموالها كأننا عملاء أو إرهابيون، في الوقت الذي تفتح فيه البلاد لعشرات الجمعيات الغربية والأمريكية للعمل في غزة دون أي معوقات.

كما استنكر الأخوة في حركة حماس القرارات التي استهدفت جمعيات محسوبة عليها فإننا نستنكر هذا القرار التعسفي بحق جمعية الباقيات الصالحات التي لم ترتكب أي مخالفة ولم تتلق أي إنذار.

 سبب الإغلاق وفق القرار ممارسة الجمعية "نشاطات سياسية". فعن أي نشاطات يتحدثون ولماذا لم نحذر مسبقا أو توجه لنا مخالفة؟ هل المقصود بالنشاطات السياسية مقاومة الاحتلال ودعم المنكوبين من جرائمه، أم أن هناك نشاطات ضد الحكومة؛ فإن كانت ضد الاحتلال فهذا شرف لنا وللجمعية لأن ذلك سبب وجودنا، والمفترض أنه مبرر وجود كل الجمعيات الخيرية في غزة .

وإذا كانت نشاطات سياسية ضد الحكومة فأين هي، وأي حكومة تحديداً، ونحن الذين لم يصدر منا حرف واحد له علاقة بعمل الحكومة باسم الجمعية أو بغيرها، بل تعاونا مع بعض الوزارات في مشاريعنا؟

نحن نعتبر أن عملنا الانساني والاغاثي في خدمة أبناء شعبنا الفلسطيني المظلوم والمقهور والمنكوب هو واجب علينا وشرف لنا وأنه من ضرورات صمود شعبنا المتوازية مع مقاومته وجهاده، وهو حق قانوني وليس حكراً على أحد دون آخر، ونؤكد على أي حال أن قرار حل الجمعية لن يثنينا عن مواصلة طريقنا في خدمة أبناء شعبنا، وهذه الجمعية وغيرها ما هي إلا وسائل سنواصل عملنا بوجودها ومع عدم وجودها، وسنلجأ إلى كل الوسائل والطرق المشروعة والقانونية لإلغاء هذا القرار سواءً عبر التواصل مع الجهة التي أصدرته أو من خلال القضاء.

صور عن القرار//