هنا أم الحيران... هل تسمعوننا؟

بقلم الكاتب / رامي منصور

هنا أم الحيران، منطقة 'عسكرية' مغلقة، ممنوع الاقتراب من مناطق الهدم حتى على أعضاء الكنيست. القرية تبعد عنا نحو أربعة كيلومترات. شرطيون من الوحدات الخاصة في حالة تأهب، أصابعهم على الزناد، شرطي من داخل السيارة يصيح عبر مكبر الصوت بسوقية كل بضعة دقائق 'اخلوا الطريق'. يبدو أن أصوله عربية، يمارس عنجهية الأشكناز ضده على العرب.

في السيارة نسمع وزيرة القضاء أيليت شاكيد تتحدث لإذاعة الجيش الإسرائيلي عن التطورات في أم الحيران. واضح أن حزبها 'البيت اليهودي' يقود الحرب على البدو في النقب، ونتنياهو ووزير الشرطة غلعاد إردان يحاولان المزايدة عليه. زميلها وزير الزراعة من الحزب ذاته، المستوطن أوري إريئيل، يتولى أمر البدو في النقب، قالت.

قرابة الساعة الواحدة والنصف تنسحب القوات. انتهى الهدم. نسرع للوصول إلى القرية. يشتكي المراسلون الصحافيون من ضعف إرسال الشبكات الخليوية. ينقطع الإنترنيت كليا. لا تغطية لشبكة 3G ولا 4G. لا 'فيسبوك' ولا 'تويتر'، حتى أن 'الواتساب' لا يعترف بأم الحيران.

هنا أم الحيران، أهلا وسهلا بكم في الواقع. انتهى العالم الافتراضي عند أقرب تلة من أم الحيران. فيما كانت شبكات التواصل تعج بـ'ستاتوسات' التحليل الغاضبة دخلنا أم الحيران.

هدوء تام. يستصعب الأطفال والفتية التحدث للصحافيين وللكاميرات العديدة، وكأنهم يرددون شعر محمود درويش ' وكان جرحي عندهم معرضاً  - لسائح يعشق جمع الصور'.

يحاولون اللحاق برجال الشرطة لرجمهم بالحجارة. يحاول مراسل عربي لقناة إسرائيلية رسمية، القناة الأولى ربما، ثنيهم عن ذلك. 'ديروا بالكم على مستقبلكم'. 'أي مستقبل' يجيب فتى ويشير بيده إلى ركام منزل.

نتقدم أكثر داخل القرية. هنا استشهد يعقوب أبو القيعان. نتقدم أكثر لنسمع صوت عجوز مقعد يبكي ويتمتم كلاما. إنه والد الشهيد. يجلس داخل غرفة – منزله وحوله عدة نساء. نكمل مشوارنا حيث تعقد لجنة المتابعة اجتماعها الطارئ. يجمع السياسيون ويكررون أن الهدم في الأسبوع الأخير "نقطة تحول"، تحول في علاقتنا مع الدولة.

انتهى الاجتماع. الجمع يتفرق. صحافيون وسياسيون وناشطون. لا يبالي أهالي القرية الذين بقوا جالسين على ركام منزلهم بالقرارات.

يتجمع حشد من رجال القرية حول والد الشهيد وينظرون إلينا وكأنهم يقولون 'أين كنتم قبل اليوم؟'.

تغيب الشمس عن أم الحيران ونساؤها وأطفالها يجلسون في العراء. نبتعد عن القرية فيتصل صحافي أجنبي ليستوضح إن كانت أم الحيران شرق أم غرب الخط الأخضر. هل هم مواطنون إسرائيليون؟ سأل، حاولت أن أجيب: أم الحيران أقرب إلى الخليل منها إلى تل أبيب. نعم هم مواطنون.

غادرنا أم الحيران ونظرات أهلها تقول لنا: أكثر ما لا نحتاجه ولا نحتمله هو تحليل الصحافيين ولا وعود السياسيين، ولا تنظيرات الافتراضيين. سقط شهيد وهدمت 8 منازل.

غادرنا أم الحيران في مأتم وخلفنا مشهد أهالي بلدة منكوبة. غدا الجنازة وجثمان الشهيد لا يزال محتجزا. هذا همهم الليلة. تحرير جثمان الشهيد وتشييعه.

هنا أم الحيران. هنا الواقع. هل تسمعوننا؟ غادروا هواتفكم وكنباتكم. إنها حرب معلنة.