الوحدة سلاح لمحاربة التعصب المذهبي

المذهبية المقيتة

المذهبية المقيتة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين، وعلى إخوانه من النبيين والمرسلين، وآله الطيبين  وصحبه المنتجبين  وبعد:

جل الله القائل: ( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ )  الإسلام دين الوحدة والتوحيد، فالله واحد والدين واحد والمصير واحد.

إن الإسلام أزال الفوارق بين أفراد مجتمعه، فجعلهم يذوبون في بوتقة واحدة، وزرع بذور نجاح الوحدة فيها، من خلال شعور أفراد المجتمع بالأخوة، ومن خلال وحدة ثقافية ولغوية واجتماعية، ومنع العدوان والتجاوز حتى لا يطغى بعض الأفراد على بعض.

لم يجعل وحدته تقوم على أساس عنصري، ولم يبن اتحاده على أساس اقتصادي، ولم تقم وحدة الإسلام على أساس جغرافي. إن الوحدة التي دعا إليها الإسلام لا تقوم على أساس المغالبة، فالأفراد متعاطفون متضامنون، وفيها تتحقق العدالة فلا عنصرية ولا عصبية، والعلو في مجتمع الإسلام يقوم على أساس فعل الخير لا على أساس نبل الدم.

يقول تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ )

ويقول نبينا الأعظم صلى الله عليه وآله سلم: ( الخلق كلهم عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله )

عندما يتحدث البعض عن الوحدة الإسلامية قاصداً بها اجتماع المسلمين في دولة واحدة، يخيل إليه أنه يتحدث عن خرافة أو خيال.

و إن كانت الوحدة الإسلامية خيالاً فأي شيء هو الحقيقة في هذا الوجود؟!

لما بنى نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم دولته الأولى على نطاق مدينته المنورة كان يبشر أصحابه بدولته الكبرى بفتح بلاد فارس، وبلاد الروم، واليمن... وفعلاً لم ينتقل إلى جوار ربه حتى جعل جزيرة العرب كلها دولة واحدة ، وصار الناس أمة واحدة ؛ العربي أخو الصيني، والفارسي أخو الرومي، وبقوا كذلك ما داموا ملتزمين بقول الله تعالى: ( وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ )، وبمنهج المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم القائل: ( أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أبيض، ولا لأبيض على أحمر فضل إلا بالتقوى - ثم قال صلى الله عليه وآله سلم اللهم فاشهد )

ولما خالف المسلمون هذا النهج تفرقوا وتشتتوا، وبعد أن سادوا نصف العالم خسروا أنفسهم، آثروا الاختلاف على الاتفاق، والفرقة على الوحدة، ونصّبوا على رأس الدولة الإسلامية أكثر من خليفة، حتى غدا بأسُهم بينهم شديداً.

ثم جاءهم الاستعمار الحديث ليقضي على ما بقي من بذور الوحدة، وزرع بدلاً عنها بذور الشقاق، وقضى على الخلافة، وقسم دولة الإسلام إلى دويلات وإمارات.

وبقيت الوحدة الإسلامية حلماً بعد أن كانت واقعاً حياً ملموساً، لكن بذورها في قلوب المسلمين ما زالت حية، تحتاج إلى من يسقيها ويرعاها، ويعيدها إلى الحياة من جديد.

لقد فرز هذا العصر كثيراً من المستجدات التي تؤثر في شكل الوحدة المأمولة، لكنها لا يمكن أن تؤثر في جوهرها، ويستطيع المسلمون أن يجدوا الإطار المناسب والأسلوب المناسب لوحدتهم إذا أرادوا ذلك.

مقومات الوحدة ومظاهرها

إن عبادة إله واحد عظيم قدير، رحمن رحيم، يجعل العباد متراحمين متعاطفين يحس بعضهم بآلام بعض، يجمعهم الأمل الواحد والألم الواحد.

يقول رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى )

وعبادات الإسلام كلها تدعو إلى الوحدة وتعبر عنها: فالصلاة التي هي عمود الدين يقف المسلمون فيها صفاً واحداً لا فرق بين غني ولا فقير، ولا أمير ولا مأمور، ولا رئيس ولا مرؤوس.... كلهم يضع جبهته على الأرض معلناً بأن الله أكبر من كل كبير.

وفي الحج يجتمع المسلمون على اختلاف ألوانهم في مكان واحد، يتخلون عن كل ثيابهم وأنانياتهم، ويلبون نداء الله الواحد، يتعلمون أخلاق المجتمع الإسلامي ؛ فلا رفث ولا جدال ولا فسوق.

أما الصوم ففي توقيته الزماني إشعار للمسلمين بعمق الوحدة، كلهم ممسك صائم عن المباحات والمحرمات المفسدة للصوم، يدفعهم إحساسهم بالجوع والألم إلى المواساة والنصرة للضعفاء والفقراء والمحتاجين.

وهكذا الزكاة التي هي حق مفروض في مال الأغنياء من المؤمنين للفقراء والمساكين، يدفعونها إليهم بلا منّ ولا أذى، تكاتفاً وتعاوناً على طاعة الله، والقصد أن يكون الله تعالى عنهم راضٍ.

والإسلام بعد هذا يفترض أن يحوي مجتمع الإسلام عناصر غير إسلامية، ويضع قواعد دقيقة لمعاملة هؤلاء، حتى لا يحسوا بالغربة أو الاضطهاد، بل يحسوا بالأمان والراحة والاطمئنان.

فلا إكراه في الدين، والفرد هو إنسان قبل أي اعتبار آخر، وللأخوة الإنسانية اعتبار عظيم في الإسلام، وليس أدل على هذا مما ورد في الحديث الصحيح أن جنازة مرت أمام النبي صلى الله عليه وسلم فقام لها، فقيل له إنه يهودي، فقال: ((أليست نفساً ؟)).

أسباب الفرقة

بعد أن تحدثنا عن الوحدة لا بد أن نتحدث عن ضدها، خاصة وأن الضد هو الواقع المسيطر على العالم الإسلامي، فنحدد أسباب الفرقة، جاعلين ذلك خطوة على طريق تحقيق الوحدة، مثلما أن تشخيص المرض هو الخطوة الأولى إلى تحقيق الشفاء.

 يمكننا أن نحدد أسباب الفرقة بما يلي:

1.العصبية: وهي التحيز الأعمى لقبيلة أو قوم أو عنصر أو لون، وهي المعول الهدام في جسد الوحدة الإسلامية، وعرفها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ( أن تعين قومك على الظلم ).

فالإعانة على الظلم والإمعان في الغي هي العصبية، وليس منها أن يحب الإنسان قومه ووطنه، بل هو شيء مأمور به، سأل أبي بن كعب النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أمن العصبية أن يحب الرجل قومه ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ( ولكن من العصبية أن ينصر قومه على الظلم )

ولما أراد المصطفى صلى الله عليه وسلم أن يبني دولة الإسلام كادت ريح العصبية العمياء أن تهزها، ولكنه تداركها وقضى عليها في مهدها، فقد ورد في كتب السيرة أن بعض أتباع عبد الله بن أبي سلول زعيم المنافقين أراد أن يثير فتنة فنادى على الأوس ونادى خصمه من المسلمين على الخزرج، واجتمعت القبيلتان تحييان ما دفنه المصطفى صلى الله عليه وسلم من العصبية البغيضة، واستلوا سيوفهم، وكادوا أن يقتتلوا حتى جاء الهادي الأمين مغضباً قائلاً: ( الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم، بعد أن هداكم الله وكرمكم به، وقطع عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم من الكفر، وألف بين قلوبكم )

وكان من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية )

ذاك هو موقف الإسلام من العصبية، كل العصبية، سواء كانت قومية أو قبلية أو عنصرية أو مذهبية، ولا ننس أبداً كيف مزج النبي صلى الله عليه وسلم مجتمعه حتى لم يعد يحس أحدهم بأي فارق، لا بلون ولا بجنس ولا بلغة، عقد المؤاخاة فجعل الحبشي أخ القرشي، والغني أخ الفقير.

لقد محا نبينا كل أثار العصبية، حتى سمي التقاتل والتباغض الناشئ عنها كفراً فقال: ( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ).

2- التعصب المذهبي: من الأسباب التي فرقت جمع المسلمين التعصب المذهبي، ونقصد بهذا الاصطلاح اتخاذ الناس مذهباً عقائدياً أو فكرياً أو فقهياً، وإتباعه والتعصب له، واعتبار ما عداه باطلاً.

وعلى هذا الأساس صارت المذاهب العقائدية والفقهية وسيلة للتفرقة بعد أن كانت - ولا تزال - مدارس فكرية عظيمة رفدت الفكر الإسلامي بموارد لا تنضب على مدى الأيام.

وصار المذهب ديناً، وأصبحت مخالفته كفراً وفسوقاً، وانقسمت جموع المسلمين ما بين سنة وشيعة، والسنة إلى مالكية وحنفية وشافعية وحنبلية ... والشيعة إلى إمامية وزيدية وإسماعيلية... وبين هؤلاء وهؤلاء فرق كثيرة كثيرة لا يعلم تعدادها ومآلها إلا الله.

والمشكلة أن كل فرقة من الفرق تدعي أنها على ما كان عليه رسول الله .

ومن مظاهر هذه المذهبية البغيضة ما كنا نراه قبل عشرات الأعوام من تحريق البعض مساجد البعض الآخر، والاعتداء على أموالهم، ونعتهم بالضلال والكفر.... حتى لقد رأيت في بعض الكتب الفقهية سؤالاً: هل يجوز لأتباع مذهبنا الزواج من أتباع المذهب الفلاني، ثم يأتي الجواب: نعم قياساً على الكتابية ؟! ومن ذلك ما كنا نراه في مساجدنا من أن الحنفي لا يقتدي بالشافعي، والمالكي لا يأتم بالحنبلي.

هذه بعض مظاهر المذهبية المقيتة التي فرقت المسلمين، وجعلتهم شعوباً وقبائل ليتقاتلوا ويتباغضوا بدل أن يتعاونوا ويتكاملوا.

ومرَدُّ كل ذلك إلى الجهل بما أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ )

وقال أيضاً: (َإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً )

هذه بعض أسباب الاختلاف الفكرية الرئيسة، وهناك غيرها الكثير من الأسباب الفكرية والأخلاقية، التي يمكن القضاء عليها بالحب والتعاون والتآلف، وبتعلمنا لأدب الاختلاف.

أدب الاختلاف

فلا بد من تعلم قواعد أدب الاختلاف ومنها :

1- أن يحمل المسلم في قلبه الحب لكل البشر، وخاصة لإخوانه في الدين مهما اختلفت المذاهب والآراء.

2- أن تبقى الاختلافات ضمن حدودها العلمية والثقافية ولا تتخذ شكل العصبية والتحزب.

3- ينبغي أن نجتمع دائماً على ما اتفقنا عليه - وما أكثر ذلك - ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه.

4- يجب على المخلصين الغيورين على مصلحة الأمة القضاء على كل بذور الشقاق والتمزق مهما كانت كتاباً أو مقالة أو رأياً.... وسقاية بذور التآلف والتعاطف متناسين آلام الماضي، باحثين عن آمال المستقبل.

وأجمل مثال لهذا الأدب أئمة المذاهب الكرام، فأبو حنيفة أخذ عن جعفر الصادق، وأخذ الشافعي عن مالك ومحمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة وأحبه، وقال في حقه: أخذت عن محمد بن الحسن ، وعاصر أحمد بن حنبل الشافعي وتحابا في الله.

ويجب التأكيد على ضرورة العودة والالتزام بما ألزمنا به الله تعالى في قرآنه (هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ )

لكل واحد منا أخطاء إلى جانب ما يحمله من صواب، ولكن ما أعظم خطأ من يترك 95% من صواب أخيه ليسلط الأضواء على الخمسة الباقية.

ختاماً، إن الوحدة الإسلامية ضرورة شرعية ملحّة تمليها الظروف الدولية والسياسية الراهنة، وتستدعي عملاً جاداً مخلصاً من كل قادر ؛ للقضاء على بذور الفرقة، حتى نعود أمة واحدة كما كنا، وكما أراد الله لنا أن نكون - كل في مجاله وبالإمكانية والقدرة المتوفرة.


ملاحظة / لتحميل المادة منسقة PDF يرجي الضغط على الأيقونة هنا