الوحدة أمل الأمة الإسلامية

الوحدة الإسلاميّة أمل الأمّة الإسلاميّة قاطبة، وهي المطمح الذي عمل من أجله روّاد نهضتها والصفوة من علمائها ومفكّريها، على اختلاف الظروف التي عاشوا فيها، وتعاقب مراحل العمل في سبيل تحقيق هذا الهدف السامي والمقصد النبيل.

والوحدة الإسلاميّة مصدر من مصادر القوّة للأمّة الإسلاميّة، وهي الوسيلة الناجعة للتغلّب على عوامل الفرقة والتمزّق وعناصر الضعف والعجز. وهي فوق كلّ خلاف وتعلو على كلّ نزاع؛ فما من جماعة أو هيئة أو فئة تعمل من أجل تقوية الأمّة وتقدّمها ونمائها وازدهارها، إلاَّ وهي تتطلع إلى تحقيق الوحدة الإسلاميّة في أجلى مظاهرها وأبهى تجلياتها.

ولما كانت الوحدة الإسلاميّة هدفاً استراتيجيًّا دون تحقيقه مراحل وحواجز وصعوبات وتحدّيات، فقد كان من الطبيعيّ أن تتعدّد الاجتهادات ووجهات النظر المطروحة حول هذه القضيّة، وأن تتنوّع التصوّرات والمقترحات، وأن تختلف الآراء والأفكار، وأن تنشأ مدارس فقهيّة واتجاهات فكريّة وسياسيّة لكلّ منها تصوّر تطرحه للوحدة الإسلاميّة، وموقف تتّخذه إزاءها. فهذا التنوّع في الرؤى يغني الفكر الوحدويّ، ويفتح أمام العاملين في هذا المضمار، آفاقًا واسعة للتأمّل وللتعمّق في البحث والدرس، وللفتوى الفقهيّة وللاجتهاد الفكريّ والسياسيّ. فلا ضرر إذاً في التعدّد في الطرح الوحدويّ، ما دامت الغاية واحدة، وما دامت المصالح العليا للأمّة الإسلاميّة هي الدافع القويّ للتفكير في هذا المشروع الحضاريّ الكبير الذي يستحقّ منّا أن نعمل له جميعًا، كلّ من موقعه الذي يشغله وفي حدود صلاحيّاته واختصاصاته.

منذ عقود طويلة، والسّاحة الفكريّة في العالم الإسلاميّ، تشهد طروحات متعدّدة واجتهادات متنوّعة حول الوحدة والتضامن والتآزر والتّعاون من أجل ما فيه الخير والصلاح والقوّة والتقدّم للأمّة الإسلاميّة. فمن جمال الدين الأسد آبادي المعروف بالأفغانيّ، وعبد الرحمن الكواكبيّ الحلبي السوريّ، إلى محمد عبده المصريّ، ومحمد رشيد رضا الطرابلسيّ السوريّ، وعبد العزيز الثعالبيّ التونسيّ، والإمام حسين البروجرديّ الإيراني، والشيخ محمود شلتوت المصريّ، وغيرهم من الأعلام الروّاد الذين نادوا بالوحدة، وبشرّوا بها، ودعوا إليها، وأوجدوا بعملهم وجهادهم الفكريّ والثقافيّ والصحافيّ، تيارًا عريضًا يؤمن بالوحدة الإسلاميّة .

إنّ روح العصر توجب على المسلمين أن يتجمعوا في وحدة حول كتاب الله تعالى وسنّة رسول الله ، إنه لا بدّ أن نجتمع بعد طول الافتراق، لأن الأمّة الإسلاميّة تقوم فيها الروابط على وحدة الدين والعقيدة ووحدة المبادئ الخلقيّة الفاضلة والنظم الاجتماعيّة العادلة والعبادات الجامعة. ففي كل يوم يمرّ يشعر المسلم بالوحدة، إن أدّى العبادات على وجهها، فتلك الوحدة في قلبه آناء الليل وأطراف النهار، فإنّه في الصلوات الخمس يتّجه إلى الكعبة المكرّمة قبلة المسلمين أجمعين ، فالمؤمن جزء من الكلّ، هو فرد من أمة إسلاميّة أكرمها الله بالهداية إلى الدين الحقّ.

إنّ الوحدة الإسلاميّة تقوم على ثلاثة مبادئ كلها يتصل بالأخلاق والفضيلة، ليس فيها اعتداء على أحد، ولا تعصب ضد أحد :

أولها: شعور بالأخوّة بين المسلمين بعضهم مع بعض، يتحقق فيها قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾، وألا يكون منهم اعتداء على غيرهم إلّا إذا اعتدى على إقليم منهم.

ثانيها: وحدة ثقافيّة ولغويّة واجتماعيّة، حتى يتضافروا جميعًا على محاربة المذاهب المتطرفة الهدّامة، ومنع شيوعها بين الناس ، حتى لا يكون فساد في الأرض.

ثالثها: ألا يكون من إقليم إسلاميّ حرب على إقليم آخر، أياً كانت أساليب هذه الحرب، سواء أكانت بالاقتصاد، أو بالتحالف على مسلمين.

ومما هو جدير بالانتباه إليه في هذا السياق، أنّ الغرب قد تنبّه إلى بشائر النهضة الإسلاميّة وملامح الحركة الإسلاميّة بالمفهوم العام الشامل، وليس بالمفهوم الضيق المتداول في مرحلتنا الحالية قبل عقود من السنين. ولذلك تربّص الغرب بفكرة الوحدة الإسلاميّة، وسعى بكل الوسائل لتشويه مقاصدها وتحريف مضامينها وشنّ حملات التشهير ضدّ المتبنين لها الداعين إليها والعاملين من أجلها .

إنَّ الوحدة الإسلاميّة فريضة دينيّة وضرورة حياتيّة. وهي من الأهداف السامية التي يتوجّب على جميع المسلمين السعي بكل إخلاص من أجل تحقيقها. وهي على مستويات عديدة، أهمّها من وجهة النظر الواقعيّة، الوحدة الثقافيّة التي أساسها المتين الوحدة الإيمانيّة، ثم الوحدة الوجدانيّة، ووحدة المصالح المشتركة.

وإذا كان الدين لا يأمرنا بالتمزّق والصراع، بل يحضنا على الوحدة والتآخي، وإذا كان العقل والمصلحة لا يأمرانا بذلك بل يحضانا على الوحدة والتكتل والتناصر، فلماذا نفعل فيما بيننا عكس ما يمليه علينا الدين والعقل والمصلحة؟ لذلك لا بد لنا من البحث، أوّلاً عن أعماق أبعد، في داخل الذات، وليس خارجها ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾

إن كلّ المقوّمات والإسهامات الإيجابيّة في تاريخ المسلمين تدعم وحدة المسلمين وتدعو إليها، لأنّها ترجع إلى الإسلام وقيمه، فهو الذي وحّد أصلاً قبائلهم وشعوبهم، وسوَّى وآخى بينهم، وجعل من كلّ سلبيات العنصريّة إيجابيات تدعو إلى التساوي والتآخي والتضامن. فكل البشر من نفس واحدة، وتباينهم شعوباً وقبائل سبب ومدعاة للتعارف والتكامل، واختلاف ألسنة البشر وألوانهم هي من مظاهر عجائب خلق الله وآياته وبديع صنعه في تسوية الإنسان وكمال خلقه، وليس شيء منها أداة أو وسيلة للتعالي والاستكبار والتناحر والعداء.

إن الأسس التي تقوم عليها الوحدة الإسلاميّة، والتي استعرضها الميثاق، هي محل إجماع إسلاميّ لا استثناء فيه، فالإسلام هو الدين الخاتم، وهو أمانة في أعناق المسلمين، عليهم تطبيقه في كل مناحي الحياة، والذبّ عنه وعن حرماته ومقدّساته، وعليهم تقديم المصلحة الإسلاميّة العليا على باقي المصالح، والقرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة هما المصدران الأساسان للشريعة الإسلاميّة، والمذاهب الإسلاميّة كلّها تشترك في الإيمان بهذين المصدرين. والإيمان بالأصول والأركان التالية هو الضابط للصبغة الإسلاميّة :

أ) الإيمان بوحدانية الله تعالى ( التوحيد )

ب) الإيمان بنبوّة وخاتميّة الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم

ج) الإيمان بالقرآن بمفاهيمه وأحكامه باعتباره المصدر الأول للإسلام.

د) الإيمان بالمعاد ( البعث )

هـ) الإيمان بأركان الإسلام وبمسلمّات الدين المتفّق عليها كالصّلاة والزّكاة والصّيام والحجّ.

وقبل عشرات الأعوام كتب الشيخ محمّد الغزالي، مقالاً نفيساً في مجلة (رسالة الإسلام)، جاء فيه: ( لا أنكر أن هناك خلافاً نشب بين بعض العلماء والبعض الآخر، بيد أن ذلك لا يسوغ نقله إلى ميدان الحياة العامّة ليقسم أمّتنا ويصدع حاضرها ومستقبلها. صحيح أن الخلاف نشأ سياسيّاً ووسعت شقّته مسالك الحكّام ومطامع السلطان. وعلى السّاسة أن يصلحوا ما أفسد أسلافهم، وأن يسخرّوا قواهم في التجميع بعدما سخّرت قديماً في الفتق والشتات. لكنّ الدور الآن للعلماء، فإنّ العلم تأثّر بالحكم دهراً، وتلوّنت الدراسات الدينيّة بمآرب الحاكمين، ثم ذهب المنتفعون من ذوي السلطة، وبقي المخدوعون من أهل العلم، أعني العامّة وأشباههم. فعلينا نحن، حملة الإسلام، أن نصحّح الأوضاع ونزيل الأوهام ) .

ومما ينسجم مع هذا التوجّه الحكيم ما جاء في ختام المقدّمة الإضافيّة القيّمة التي كتبها الشيخ محمود شلتوت لطبعة دار التقريب بين المذاهب الإسلاميّة بالقاهرة لتفسير (مجمع البيان في تفسير القرآن) للسعيد أبي الفضل بن الحسن الطبرسيّ من ( أن المسلمين ليسوا أرباب أديان مختلفة، ولا أناجيل مختلفة، وإنّما هم أرباب دين واحد، وكتاب واحد، وأصول واحدة، فإذا اختلفوا فإنما هو اختلاف الرأي مع الرأي، والرواية مع الرواية، والمنهج مع المنهج، وكلّهم طلّاب الحقيقة المستمدّة من كتاب الله، وسنّة رسول الله، والحكمة ضالتهم جميعاً ينشدونها من أي أفق . فأوّل شيء على المسلمين وأوجبه على قادتهم وعلمائهم، أن يتبادلوا الثقافة والمعرفة، وأن يقلعوا عن سوء الظنّ وعن التنابز بالألقاب، والتهاجر بالطعن والسّباب، وأن يجعلوا الحقّ رائدهم، والإنصاف قائدهم، وأن يأخذوا من كلّ شيء بأحسنه .

ختاماً ، يجب تقريب أخلاقيّات الوضع الحالي إلى أخلاقيّات عصر الرسالة، وتقريب العلاقات الراهنة بين المسلمين إلى مستوى العلاقات الأولى، وتوسيع نطاق التضامن ليشمل العالم الإسلاميّ بكل أقطاره ومذاهبه وأعراقه. لِـ (تعبئة الطاقات الماديّة والمعنويّة لإعلاء كلمة الله ومجابهة التحديات ونشر ثقافة المقاومة، وتعميق الإحساس بالمسؤوليّة المشتركة، وتقوية الأمل بالمستقبل الموحّد، وتعميق الشعور بالعزّة والكرامة.


ملاحظة / لتحميل المادة منسقة PDF يرجي الضغط على الأيقونة هنا